غزة ترد على تحقيق صحيفة نيويورك تايمز حول مقتل المسعفة رزان النجار على يد قناصة إسرائيليين

13 كانون الثاني / يناير 2019 09:11 ص

د. باسم نعيم

بالتأكيد كنا سعداء في غزة لقراءة هذا التحقيق الصحفي في صحيفة نيويورك تايمز العريقة بتاريخ ٣٠ ديسمبر ٢٠١٨، حول مقتل المسعفة رزان النجار في أول يوم من شهر يونيو ٢٠١٨ على يد قناص إسرائيلي، هذه السعادة مصدرها أن الإعلام الدولي أزاح عن أجندته الحديث عن المأساة الإنسانية في قطاع غزة بسبب الاحتلال والحصار الإسرائيلي، لصالح التركيز على قضايا أخرى في الإقليم، وكنا دائما بحاجة إلى عدد من القتلى والجرحى للفت الانتباه مرة أخرى لمأساتنا، كما كنا سعداء بالجهد الكبير المبذول من قبل الصحفي ديفيد هالبفينغر وزملائه للوصول إلى هذا الكم من المعلومات حول الحادث الخطير، ولكن بعد قراءة التحقيق لأكثر من مرة وبعقل موضوعي، لا بد أن نتوقف عند كثير من النقاط التي تحتاج إلى نقاش ورد، ولكنني سأركز هنا على ٤ نقاط فقط:

أولاً: أغرق المقال في الحديث عن الأبعاد الشخصية للشهيدة رزان النجار وطفولتها، مغفلاً بشكل كبير الظروف المأساوية التي يعيشها سكان قطاع غزة نتيجة حصار ظالم يمتد لأكثر من ١٢ عاما، دمر كل مناحي الحياة اليومية لمليوني فلسطيني، ودمر معها كل أمل بمستقبل أفضل، هذه الظروف المأساوية هي التي دفعت آلاف الشباب من الجنسين للالتحاق بمسيرات العودة، لرفع صوتهم عاليا وبشكل سلمي، مطالبين برفع الحصار فورا وبدون شروط.

حاول الكاتب التركيز على الأبعاد الشخصية في حياة رزان، رغم تحفظنا على بعض ما ذكر من باب الخصوصية التي يجب أن تحمى، حاول الصحفي إعطاء الانطباع أن ما حرك هذه الفتاة، التي تعاني من مشاكل نفسية ومجتمعية، وتتصف بالطيش والرعونة، هو رغبتها في التعبير عما يجول بداخلها من معضلات نفسية ورفضا للقيم المجتمعية التي تحاصر تطلعاتها وطموحاتها، وليس حبها لوطنها وشعبها أو رغبتها في أن تصنع مستقبلا أفضل لها وللشباب من أمثالها.

ثانياً: قطاع غزة والذي مساحته ٣٦٥ كم٢ ويعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني، ٧٠٪؜ منهم لاجئون، ما يجعله من أكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان، هذا القطاع يعيش ظروفا مأساوية على كل المستويات ومنذ عقود، ولكنها ازدادت سوءا منذ أكثر من ١٢ عاماً، كرد فعل على نتائج انتخابات حرة ونزيهة أجريت في يناير من عام ٢٠٠٦ وفازت فيها حركة حماس، وليس كما يصور الكاتب أن الحصار الإسرائيلي الخانق جاء نتيجة سيطرة حماس على قطاع غزة في يونيو من عام ٢٠٠٧، وللتذكير فإن وزيرة الخارجية الأمريكية في حينه السيدة كونداليزا رايس هددت الفلسطينيين في نوفمبر ٢٠٠٥ بالحصار والمقاطعة الدولية إذا ما انتخبوا حركة حماس، وهذا ما أكدته السيدة هيلاري كلينتون في مذكراتها عندما اعتبرت أن الولايات المتحدة أخطأت بالسماح لانتخابات غير مضمونة النتائج وفازت فيها حماس، هذا الحصار الذي طال كل مناحي الحياة اليومية في قطاع غزة، الماء مسمم والكهرباء مقطوعة والدواء غير متوفر والسفر ممنوع أو مستحيل، والفقر مستشرٍ، والبطالة تصل بين الشباب إلى حوالي ٦٠٪؜، الصيد في البحر أو الزراعة قرب الحدود مغامرة خطيرة. هذا الحصار وصفه استاذ القانون الدولي في الجامعة العبرية برفيسور باروخ كيمرلنج "غزة أكبر معسكر اعتقال عرف"، ووصفه رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون "سجن مفتوح"، هذا إضافة إلى عشرات التقارير والشهادات التي وصفت الأوضاع المزرية في القطاع، حتى إن الأمم المتحدة أعلنت "أن غزة غير قابلة للحياة في ٢٠٢٠". هذا هو ما دفع الآلاف من الفلسطينيين، رجالا ونساء وأطفالا ومن كل التوجهات السياسية والشرائح المجتمعية، وبشكل دوري كل يوم جمعة، رغم خطورة ذلك، للمشاركة في مسيرات العودة الكبرى ليرفعوا صوتهم عاليا أنهم لن يقبلوا الموت بصمت، هم خرجوا لطرق أبواب السجن الكبير وتذكير العالم بمآسيهم، وليس الاعتداء على "حدود دولة أخرى"، لا سيما أن هذه الدولة الأخرى لم تعترف بهذا السلك الفاصل حدودا رسمية، ثم إن دولة الاحتلال المسؤولة حسب القانون الدولي عن حياة السكان تحت الاحتلال.

للأسف الشديد فإن كاتب المقال حاول تبسيط الأمر بشكل مشين ومهين، والادعاء بأن ما حرك الناس هو دعاية حركة حماس ودعوات رجال الدين، وحماس لا تنكر مشاركتها الفاعلة في تنظيم هذه المسيرات، ولكن كل من زار غزة وشاهد المسيرات يعلم أنها فعل جماهيري شامل تشارك فيه كل الفصائل والفعاليات المجتمعية، وتقودها "الهيئة الوطنية العليا" والتي تمثل جميع الفلسطينيين. الشعب الفلسطيني شعب واعٍ، وصاحب خبرة طويلة في النضال من أجل الحرية والكرامة، ولا يمكن أن يحركه أي تنظيم مهما كانت قوته لمثل هذا العمل الكبير والمستمر، ورغم ما يكتنفه من مخاطر.

ثالثاً: أغرق الكاتب في تحليل يوم الحدث ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، للوصول إلى حقيقة ما حدث، وهذا شيء جميل، ولكن للأسف فإنه في أكثر من موضع إما تبنى الرواية الإسرائيلية أو بررها، فعند الحديث عن رواية الفلسطينيين اتهمهم بأنهم نمقوها، ولكن عند الحديث عن الرواية الإسرائيلية اعتبرها مسلمة، بل وحاول دعمها برأي خبراء من الخارج، وفي هذا الإطار يجب أن نتوقف عند أكثر من نقطة. بداية كيف لنا أن نصدق رواية أن رصاصة واحدة أصابت ٣ مسعفين وقتلت رزان النجار، وأن الاستهداف غير مقصود، رغم أننا نتحدث عن قناص، وليس جنديا تقليديا، يتمتع بمهارات عالية في تحديد الهدف وعلى مسافات بعيدة؛ وهنا أود التذكير بأن أحد قادة الجيش الإسرائيلي قال إنهم يعرفون أين تستقر كل طلقة يطلقونها، كما اذكّر هنا أن الجيش الإسرائيلي فاز مؤخرا بجائزة أفضل قدرة قنص في العالم متقدما على جيوش مثل الجيش الأمريكي، هذا إضافة إلى عشرات الفيديوهات والشهادات الحية على قنص متظاهرين فلسطينيين بشكل مباشر، كانوا بعيدين عن السلك الفاصل بمئات الأمتار ولم يشكلوا أي خطر على الجنود، بما فيهم أطفال ونساء وصحفيون ومسعفون.

المقال يورد شهادة أحد القادة العسكريين للتايمز في أغسطس ٢٠١٨، بأن نحو ٧٠-٨٠ محتجاً قد قتلوا دون قصد، وهذا نصف عدد القتلى في حينه، بمعنى أنه حوالي ٨٠ متظاهرا آخر قتل عمداً ولم يثبت الجيش الإسرائيلي في حالة أنهم كانوا يشكلون خطرا على الجنود، هذا مع التأكيد أن جيش الاحتلال يملك تقنيات متقدمة جداً تمكنهم من تشخيص أي إنسان في المحيط، ولقد شهدت بنفسي كيف أن الجنود الإسرائيليين كانوا ينادون الشباب بأسمائهم عن بعد بالميكروفونات، اعتمادا على بنك المعلومات لديهم المرتبط بالسجل المدني للسكان الفلسطينيين.

كاتب المقال في أكثر من موضع استخلص نتائج بدون بينات حقيقية، مثلا يقول إن شابا استغل وجود رزان بجواره وألقى الحجارة على الجنود، واستعملها كدرع بشري! من أخبره بذلك؟ ويقول في موضع آخر مثلا إنه عند تدني مستوى التأييد لحركة حماس، اقتنصت حماس فرصة المسيرات وأعادت توجيه الغضب نحو إسرائيل، كيف عرف الكاتب تراجع التأييد لحركة حماس في غزة؟ هل يستند في ذلك إلى أي دراسات ميدانية أو إحصاءات علمية.

رابعاً: للأسف الشديد الكاتب حاول إعطاء مبررات وشرعنة قتل الفلسطينيين من خلال تفسيرات مغلوطة للقوانين الدولية، فمثلا يدعي الكاتب أن هناك تفسيرا "غير معتمد" للقانون الدولي بإمكان قتل مدنيين لا يشكلون أي خطر، فقط لأنهم ينتمون إلى حركة حماس. من أين جاء الكاتب بهذا التفسير وكل القوانين الدولية تجمع على تجريم قتل المدنيين أو حتى الإجهاز على جرحى عسكريين.

خامساً: في أكثر من موضع أشار الكاتب إلى أن الصراع معقد، ودورة العنف من الطرفين لا تنتهي، وهي محاولة غير مقبولة للمساواة بين الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه، فإسرائيل حسب القانون الدولي دولة احتلال، والفلسطينيون شعب تحت الاحتلال ومن حقه الدفاع عن نفسه ومقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة.

ذكر الكاتب أن الأوضاع الاقتصادية تدهورت في قطاع غزة بعد ثلاث حروب بين غزة وإسرائيل، والحقيقة هي أن إسرائيل شنت ثلاث حروب مدمرة على قطاع غزة المحاصر، وفي كل الحالات لم تبادر غزة بالهجوم، ولعل الحادثة الأخيرة في خانيونس جنوب القطاع خير دليل على ذلك، إذ بعد أقل من ٤٨ ساعة من تفاهمات التهدئة بين غزة وإسرائيل، والتزام غزة القوي بذلك، قامت إسرائيل بالدخول إلى غزة وقتل ٧ من الفلسطينيين وتدمير عشرات المنشآت، في عملية سرية فاشلة.

ختاماً نحن بالتأكيد نسعد عندما يتم تغطية الأحداث من صحف كبرى مثل نيويورك تايمز، ولكن ما نتمناه هو تغطية موضوعية ومهنية تحترم الحقائق على الأرض، ولا تتبنى آراء مسبقة، قتل رزان النجار جريمة مكتملة الأركان ويجب محاسبة من قام بذلك، هذا إلى جانب ملاحقة من شارك في قتل أكثر من ٢٥٠ فلسطينيا وجرح أكثر من ٢٠٠٠٠ آخرين، حتى اليوم من المشاركين في مسيرات العودة الكبرى.
هذه المسيرات الشعبية والسلمية ستستمر حتى رفع الحصار الظالم وغير القانوني بالكامل، وإنقاذ مليوني فلسطيني من الموت البطيء، وإعطاء فرصة أفضل للأجيال القادمة لحياة ملؤها الاستقرار والرفاه.

انشر عبر