كلمة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في المؤتمر الوطني الفلسطيني لمواجهة صفقة القرن ورفض مؤتمر البحرين

25 حزيران / يونيو 2019 05:37 م

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين، إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين..

أيها الإخوة.. أيتها الأخوات..

أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان، أبناء أمتنا العربية والإسلامية، ويا أحرار العالم

في لحظة تاريخية فاصلة نقف اليوم فوق أرضنا فلسطين، وفي كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني المرابط؛ لنقول بكل وضوح وجلاء: فلسطين ليست للبيع، ولا للصفقات، ولا للمؤتمرات التي تبحث في تكريس هذا المحتل على أرضنا فلسطين.

إننا اليوم رجالاً ونساءً شيباً وشباناً، من تحت الأرض ومن فوق الأرض، من بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، من عمق فلسطين، من مخيمات اللجوء والشتات، نقف في هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية لنقول كلمة الفصل التي لا مساومة عليها ولا مهادنة بشأنها؛ استعداداً لمسيرة طويلة من المقاومة والنضال والثبات، إن شعبنا الفلسطيني الذي ينتفض الآن في كل مكان متزامناً مع مؤتمر البحرين، انتفاضة موحدة، ثورة سياسية محمية بقبضات المقاتلين الذين أصابعهم على الزناد، هذه الثورة السياسية اليوم، هذه الانتفاضة المتجددة، هؤلاء العمالقة اليوم أبناء الشعب الفلسطيني، يقفون في كل مكان؛ استشعاراً منهم بالتهديد الاستراتيجي غير المسبوق الذي تتعرض له القضية الفلسطينية، وتأكيداً على تمسكهم بثوابتهم مهما طال الزمن وبلغت التضحيات، وتأكيداً أن هذا الشعب الذي يقاوم منذ أكثر من مائة عام لم يفوض أحداً كائناً من كان للتنازل أو التفريط أو المساومة، فالقدس لنا، والأرض لنا، والكل لنا، والله بقوته معنا.

تحية لشهداء شعبنا، تحية لجرحانا، تحية لأسرانا وأسيراتنا.

إنني في هذه الكلمة التي نفتتح بها هذا المؤتمر الوطني، سأتناول ثلاث أو أربع زوايا فيما يتعلق بأخطر المستجدات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية.

الزاوية الأولى: إن المؤتمر الذي ينعقد الآن في البحرين هو مؤتمر سياسي بغطاء اقتصادي مالي، وبإغراءات مالية؛ لأن هذا المؤتمر وهذه الصفقة التي تسمى بصفقة العصر تهدف إلى تحقيق الآتي:

أولاً: العمل والتمهيد لتصفية القضية الفلسطينية.

ثانياً: إعطاء الضوء الأخضر للعدو الصهيوني ليبسط احتلاله وسيطرته على كل الضفة الغربية.

ثالثاً: لفتح باب التطبيع بين الدول العربية وبين هذا المحتل.

رابعاً: إعادة ترتيب مصفوفات ما يسمى بالأعداء في المنطقة على قاعدة دمج هذا المحتل في المنطقة العربية، وتنصيب عدو من داخل الأمة كأنه العدو لشعبنا وأمتنا.

هذه الأهداف السياسية الخبيثة التي يغطيها هذا المال المسموم، هذا المال الحرام، هذا المال الذي يُدفع من جيوبنا، جيوب بعض عربنا لتكريس هذا المحتل، ولكن أيها الإخوة والأخوات -وهذه الزاوية الثانية- إن صفقة القرن ومؤتمر البحرين ليسوا قدراً على الشعب الفلسطيني، إن الشعب المسنود بالأمة الذي أفشل كل المؤامرات وكل الصفقات وكل المخططات لقادر على أن يفشل هذه الصفقة، بل ويمرغ مَن وقّع عليها في تراب هذه الأرض الطاهرة المباركة.

إننا نؤكد بأن صفقة القرن ومؤتمر البحرين ولد ميتاً؛ لأنه يحمل بذور الفشل، ولأنه ينعقد في توقيت معاكس لهذه الإرادات الظالمة.

فأولا: إن هذا التوقيت يشهد موقفا فلسطينيا موحدا هو الأول من نوعه منذ 13 سنة، شعبنا الفلسطيني اليوم في غزة، وفي الضفة، وفي القدس، وفي ال48، وفي مخيمات اللجوء والشتات، وفي المنافي؛ يقف اليوم في خندق واحد، في مربع واحد، موحدا في وجه هذه الصفقات، وفي وجه هذه المؤتمرات التي تريد أن تفرط بأرض فلسطين.

ثم إن التوقيت اليوم -رغم التحديات الاستراتيجية- يعمل لصالحنا؛ فموقفٌ فلسطينيٌ موحدٌ، وتصاعد اللهب أو اللهيب في المنطقة، وروح التحدي لأمريكا ولمَن يقف في صف أمريكا، إن اليوم دول إسلامية، وقوى مقاومة، وقوى ممانعة، تقف بكل شموخ تتحدى أمريكا؛ تسقط طائراتها، تلاحقها في خليجنا ومياهنا، في بحرنا، تحذرها من مغبة الإقدام على أي حماقات.

ثانيا: إن أمريكا التي فشلت في كل سياساتها وفي تطويع المنطقة لن تكون ناجحة، ولن تستطيع أن تمرر هذه الصفقات.

ثالثا: ينعقد مؤتمر البحرين اليوم في ظل نهضة لشعوبنا العربية، نعم إن الشعوب العربية من المغرب إلى المشرق، من الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى الجنوب، تقف اليوم لتؤكد مركزية القضية الفلسطينية، لتؤكد أن القدس هي بوصلة الأمة، ولتؤكد هذه الشعوب أن الأنظمة التي تحكمها إذا ما أرادت أن توقع على صك التنازل هي أنظمة لا تمثل إرادة الجماهير، ولا تمثل إرادة الأمة، ولا تعبر عن ضمير هذه الأمة.

إن توقيت مؤتمر البحرين ينعقد هذا اليوم 26/6، وما أدراك ما تاريخ 26/6، إنه التاريخ الذي تمكنت فيه فصائل المقاومة وعلى رأسها كتائب القسام من أسر شاليط في عملية الوهم المتبدد؛ في عملية الوهم المتبدد رسالة بأن المقاومة بددت وهم العدو على بوابات غزة؛ أسرت وقتلت واحتفظت بشاليط خمس سنوات، وحررت أبطالنا ورجالنا، إن هذه الذكرى تحمل معنيين:

المعنى الأول: إن مؤتمر البحرين هو أيضا وهم متبدد، وهم متبدد، أقول وأوجه كلامي من أرض غزة العزة للمجتمعين الآن في المنامة، إن مؤتمركم وهم سيتبدد على صخرة صمود هذا الشعب، على صخرة وعي هذا الشعب، على صخرة إرادة هذه الجماهير.

أما الرسالة الثانية (المعنى الثاني) التي تحملها هذه الذكرى فهي أنني أقول لأسرانا باسم شعبنا الفلسطيني: إن الذي حرركم بأمر الله في عملية وفاء الأحرار، ومن قبل 85، ومن قبل 82، ومن قبل في 79، إن المقاومة تعاهدكم اليوم أن تحرركم مهما بلغت التضحيات.

أما الزاوية الثالثة والأخيرة: فما العمل أمام هذه الصفقة؟ أمام هذا المؤتمر؟ أيها الإخوة والأخوات، نحن اليوم مش جايين نسجل مواقف، ولا جايين نلقي خطب، ولا جايين نتبارز بيننا كفلسطينيين، إننا اليوم أمام منعطف تاريخي يجب أن نبني على الأرض بناء متكاملا سياسيا، وأمنيا، واقتصاديا إعلاميا؛ من أجل أن نعيد زمام المبادرة إلى أيدينا.

ومن هنا فإنني أدعو فصائل العمل الوطني والإسلامي، إنني أدعو إخواننا في حركة فتح وفي قيادة حركة فتح، التي نتشارك معها الآن في هذه القاعة، ننسى فيها أوجاعنا، وآلامنا؛ لأن المعركة قاسية قاسية قاسية.

أدعو إلى بناء استراتيجية وطنية تقوم على الأولويات الآتية:

أولا: التأكيد على التمسك الثابت الصارم بكل ثوابت القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس، وحق العودة، والدولة الفلسطينية كاملة السيادة، وعاصمتها القدس على كامل التراب الوطني الفلسطيني.

ثانيا: الشروع من اليوم قبل الغد، ومن الآن، أعلنها بكل وضوح وبكل صراحة وبلا تردد وبدون تسجيل مواقف أننا في حركة حماس جاهزون من الآن إلى لقاء يجمعنا بالأخ أبو مازن وقيادة حركة فتح، هنا في غزة أو في القاهرة أو في أي مكان، وأدعو إلى عقد اجتماع الإطار القيادي المؤقت الذي اتفقنا عليه بموجب اتفاقية القاهرة 2005م.

آن الأوان ليجتمع الإطار القيادي المؤقت، إذا لم يجتمع الآن فمتى سيجتمع؟! القدس تهود، والضفة تنهب، والمستوطنات غول يلتهم الأرض، وغزة تحاصر، واللاجئون في المنافي والشتات، قضيتهم اليوم على مذبح السياسية، إذا لم تجتمع القيادة اليوم فمتى ستجتمع؟ لذلك أدعو إلى عقد الإطار القيادي المؤقت.

ثالثا: أدعو إلى تشكل حكومة وحدة وطنية تدير شؤوننا في الضفة والقدس وقطاع غزة، وتمتد لترعى أبناء شعبنا في كل مكان، هذه الحكومة تحضر لإجراء انتخابات شاملة رئاسية وتشريعية ومجلس وطني فلسطيني حسب اتفاقيات 2017 في القاهرة وبيروت.

رابعا: وتحت بند الوحدة الوطنية؛ أدعو إلى العمل على إعادة بناء منظمة التحرير، بحيث تشمل وتضم كل الفصائل الوطنية والإسلامية؛ لتكون لنا مرجعية قيادية واحدة تقرر في هذه المرحلة وتبني الاستراتيجية وتعيد بناء المؤسسات، وتحيي العمل الفلسطيني الموحد، ونكون في إطار وطني شامل لشعبنا الفلسطيني في كل مكان، في داخل الأرض المحتلة وخارجها.

الأولوية الأخيرة: أدعو إلى تعميق العلاقة وتعزيز التنسيق والتعاون مع دولنا العربية والإسلامية، خاصة أننا نتابع المواقف المشرفة لكثير من دولنا، خاصة الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين.

تحية للبنان بموقفه الرسمي والشعبي والبرلماني، ومن أجل ذلك؛ في الساحة اللبنانية أطلقنا خلال هذا الأسبوع مشروعين مهمين:

المشروع الأول: الحوار الفلسطيني اللبناني لترتيب الكثير من الملفات التي تعني شعبنا وتعني لبنان.

المشروع الثاني: هو إعادة إحياء العمل في دائرة العلاقات الفلسطينية المشتركة التي تجمع كل الفصائل الفلسطينية المتواجدة داخل وخارج فلسطين.

إنني أحيي لبنان، وأحيي كل الدول التي ترفض التطبيع، وترفض الانصياع للإرادة الأمريكية الظالمة، وأحيي رئيس البرلمان في الكويت الذي أعلن بكل وضوح أننا ضد التطبيع.

أحيي كل الدول بلا استثناء التي تقف مع شعبنا، وتؤكد حقنا في المقاومة حتى دحر الاحتلال، وعلى رأس كل هذه الأولويات: الثوابت، والوحدة، وتعزيز التنسيق مع عمقنا العربي والإسلامي وأحرار كل العالم، ورأس سنام كل ذلك هي المقاومة الشاملة بكل أنواعها: شعبية، وسياسية، واقتصادية، ومالية، وإعلامية، والكفاح المسلح ضد هذا العدو الصهيوني.

وفي الختام.. لا لصفقة القرن، ولا للتنازل عن ذرة من أرض فلسطين، ولا للتنازل عن القدس، ولا للتوطين والوطن البديل، ولا لمشاريع التوسعة كما في أحلام البعض، توسيع غزة على سيناء، والضفة على الأردن، أو الأردن مسؤول عن الضفة، أو مصر مسؤولة عن غزة، فلسطين هي فلسطين، والأردن هو الأردن، ومصر هي مصر، ولن تتمدد غزة جغرافيا إلا باتجاه بقية أرضها الفلسطينية لتتلاحم مع الضفة والقدس وكل أرض فلسطين المباركة.

تحية لهذه الفعاليات، وهذه الروح، وهذا التدفق، وهذه الثورة السياسية المتجددة، ولأجيالنا المرابطين فوق أسوار وقباب القدس، ويا أخ أبو عمار، ويا شيخ أحمد ياسين، ويا فتحي الشقاقي، وأبو علي مصطفى، لن نخون دماءكم، وسنمضي على طريقكم حتى النصر.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

انشر عبر