مقال: عماد عقل ذاكرة البندقية حينما تتوهج

24 تشرين الثاني / نوفمبر 2019 09:48 ص

إبراهيم المدهون

24 نوفمبر ذكرى استشهاد الشاب عماد عقل، بطل فلسطيني واجه الاحتلال في بداية التسعينيات واستطاع، مع رفاقه، تحويل غزة إلى جحيم حقيقي في وجه الجنود الإسرائيليين، فوصل بهم الحال ليقولوا لبعضهم لحظة الغضب والنزاع اذهب لغزة أي "اذهب للجحيم".

عماد عقل استشهد ولم يتجاوز عمره 22 عامًا، إلا أن حياته القصيرة أثرت تأثيراً بالغاً في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث شارك في تأسيس كتائب الشهيد عز الدين القسام، واستطاع، رحمه الله، تنفيذ عشرات العمليات العسكرية؛ فقتل أكثر من 15 جندياً إسرائيلياً وأصاب العشرات من جنود الاحتلال ومستوطنيه، في ذلك الوقت اعتُبر قطاع غزة كابوساً إسرائيلياً يجب التخلص منه بأي ثمن، وقال رابين بعد إحدى عمليات الشهيد كلمته المشهورة "أتمنى لو أستيقظ من نومي فأجد غزة وقد ابتلعها البحر".

رابين نفسه، أثناء زيارته لقطاع غزة وتجوله في مخيم جباليا مسقط رأس الشهيد عماد عقل، طلب من شقيقه عادل أن ينقل لعماد اقتراح الحكومة الإسرائيلية بالاتفاق على وقف ملاحقته إذا وافق على الخروج من الأراضي المحتلة لمدة ثلاث سنوات فقط، ومن ثم يعود لقطاع غزة سالماً آمناً، وشرح رابين الفكرة على أن يتولى الصليب الأحمر الإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق، رفض عماد، الذي يحب الجهاد إلى درجة العشق ويتمنى الموت شهيداً فوق ثرى الوطن الغالي، هذا الاقتراح بصورة قاطعة، وقال قولةً سُجلت في الوعي الفلسطيني: هل يستطيع رابين أن يمنع رجلاً يريد أن يموت من أجل قضيته؟".

اشتهر عماد عقل ببندقية الكلاشينكوف وهو ينفذ العمليات الهجومية، وكان السلاح نادرًا جداً في قطاع غزة، فلا تكاد ترى قطعة سلاح واحدة في طول القطاع وعرضه، ومع هذا استطاع غنيمة العديد من الرشاشات الآلية أمريكية الصنع بعد عملياته وقتله لجنود إسرائيليين، وما زالت صور الجنود على قارعة إحدى طرق حي الزيتون بعد إحدى عملياته محفورة في الذاكرة.

في مثل هذا اليوم من عام 1993 استشهد عماد عقل رحمه الله بعد عملية إسرائيلية معقدة، وقد غطت الدماء جسده الطاهر، وأخفت معالمه عشرات الرصاصات ولم تتعرف عليه إلا أُمه من علامة في جسده.

ما ميز عماد عقل بالإضافة لإيمانه العميق بحقه وقضيته، جرأته في تنفيذ العمليات فقد كان يطلق الرصاص على بعد أمتار قليلة من سيارات العدو وآلياته المدججة، كما انه برع في حرب العصابات والكمائن والتخفي والتمويه ومفاجأة الخصم، وخفة حركته ومواصلته الدائمة بحثاً عن جنود الاحتلال، فأصبح كالشبح يطاردهم فيقتل ويصيب منهم في غزة ورفح وجباليا، فتحول القطاع لفخ كبير يقع فيه الصهاينة بشكل متسارع ومستمر، ليتحول الشاب عماد أسطورة ورمزيًا فلسطينيًا يتغلغل في الوجدان الفلسطيني، حتى أن أول ما فعله المرحوم ياسر عرفات حين قدومه إلى قطاع غزة في عام 1994 هو القيام بزيارة منزل الشهيد عماد عقل والالتقاء بوالديه وتقليدهما وساماً فلسطينياً.

منذ عماد عقل وقطاع غزة كسر حاجز الخوف ضد جنود الاحتلال، ولم يعد يهابهم أو يرهبهم، وأصبح قتلهم والفتك بهم أمراً يسيراً وسهلاً، ولم يعد يتقبل وجودهم، فلا مكان في القطاع الصغير لأي صهيوني، فما أن قتل رحمه الله حتى قام رفاقه وتلامذته بعمليات ثأر قُتل فيها عشرات المستوطنين وأحد القادة العسكريين الكبار يدعى "مائير مينز".

قطاع غزة اليوم فيه عشرات الآلاف من الشباب ممن تسري فيهم روح عماد عقل وجرأته وعقليته العسكرية وكرهه للاحتلال، ويعتبرونه ملهماً لهم وقائداً يقتفون أثره ويتدارسون سيرته وبطولاته، ويتخذون من أقواله شعارات وأمثلة في طريق جهادهم ودفاعهم عن أرضهم، والكثير منهم لم يلتقوه وجهاً لوجه، ولم يعايشوا زمنه، ومع هذا يحتفظون بصوره ويلقبون أنفسهم باسم أبو عماد تيمناً بالشهيد، ويتمنون في كل لحظة أن تتاح لهم الفرصة ليفعلوا ما فعله عماد مع جنود الاحتلال.

اليوم في غزة مئات آلاف البنادق والصواريخ ومضاد الدروع والأنفاق وغير ذلك من الوسائل القتالية بالإضافة للمجاهد الذي يمتلك عقيدة قتالية لا خيار فيها إلا للنصر أو للشهادة، ووفق هذا المشهد الغزي المثير ومع ذكرى استشهاد عماد عقل فإن التهديدات الإسرائيلية المتكررة لاجتياح غزة وشن حرب عليها ما هي إلا فرقعات إعلامية إسرائيلية لا أكثر، فمن تمنى للبحر أن يبتلع غزة وفر منها لا يمكن أن يعود إليها إلا في حالة الانتحار، وإن فكر العدو بارتكاب مخاطرة والتقدم نحو غزة فسيواجه روح عماد وبطولاته وجرأته في كل شاب من شباب فلسطين.

نعم يمتلك العدو آلة قتل هائلة، ولديه نفسية دموية خطيرة إلا أن آلته العسكرية أضعف من تدمير شباب حماس وقتل إرادتهم وحقهم في الحياة، وأي عدوان قادم على غزة سيعُتبر بداية النهاية لزوال الاحتلال الإسرائيلي عن الوجود في هذه المنطقة.

ملاحظة: جميع المقالات المنشورة في هذه الزاوية تعبر عن رأي الكاتب، وليس بالضرورة أن تعكس وجهة نظر الموقع وسياسته.

انشر عبر